الشريف الرضي
374
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
ولا تناقض بين قوله تعالى : ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) [ 1 ] كما ظنه الجهال ، لان ذلك مشروط بالتوبة ، وإنما قال تعالى ذلك لئلا يظن ظان أن من الذنوب ما لا يغفره مع التوبة منه ، وقد نبه تعالى بأول هذه الآية وبما بعدها على ما ذكرنا ، فقال تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا . . ) وقال سبحانه في الآية التي تليها ، ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له . . ) ، فأعلمنا أن الغفران إنما يكون بالإنابة وبالاقلاع والتوبة . وقال أبو مسلم بن بحر : تلخيص المعنى في ذلك أنه سبحانه لا يغفر الشرك للمقيم عليه ولا يغفر معه شيئا من الذنوب صغيرا ولا كبيرا : فالصغائر المغفورة للمؤمنين غير محطوطة عن المشركين ، وذلك من أجل شركهم ، ومعنى ( أن ) في قوله تعالى : ( أن يشرك به ) معنى ( من أجل ) ، أي : من أجل الشرك لا يغفر لهم ، فإذا فارقوه وكان منهم الذنب الذي هو دونه غفر ذلك لهم بالتوبة ، المعنيون بقوله تعالى : ( من يشاء ) التائبون ، ويدل على ذلك قوله تعالى ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) [ 2 ] . قال : ونظير هذا الاختصار قوله تعالى : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهم ثلثا ما ترك . . ) [ 3 ] والأمة مجمعة على أن للاثنين مثل ما لمن فوقهما ، فدل ذلك على
--> ( 1 ) الزمر : 53 ( 2 ) الأعراف : 56 ( 3 ) النساء : 11 .